26 سبتمبر.. حين أسقط اليمن خرافة الاصطفاء وأسس للدولة الجمهورية
في مساء السادس والعشرين من سبتمبر، يصعد أطفال وشبان في قرى يمنية إلى أعالي الجبال لإيقاد شعلة اعتادوا رؤيتها كل عام، فيما ترتفع الأعلام في المدن والمناطق المحررة. وعلى الضفة الأخرى، يدفع القمع الذي تمارسه مليشيا الحوثي الإرهابية ضد المحتفين بالمناسبة اليمنيين في المناطق المنكوبة بسيطرتها إلى إحياء ذكرى الثورة متخفين وبعضهم يكتفي بمواقع التواصل.
مشهد يتكرر بعد أربعة وستين عامًا من ثورة 26 سبتمبر 1962، لكن دلالته تتجاوز الاحتفال بحدث مضى؛ فأجيال لم تعش الثورة تستعيد طقوسها وتحمل رموزها، في تعبير عن حضور الجمهورية في الوعي الشعبي اليمني؛ فثورة 26 سبتمبر لم تغيّر شكل الحكم فقط، ولكنها أحدثت تحولًا في الفكرة التي تقوم عليها الدولة نفسها؛ من حكم يقوم على الامتياز الوراثي وادعاء الاصطفاء والحق الإلهي في السلطة، إلى جمهورية اليمن فيها وطن لجميع أبنائه، وليس لسلالة ما احتكار الحكم.
ولهذا حمل أول أهداف الثورة معنى يتجاوز إسقاط الإمامة، فنص على "إقامة حكم جمهوري عادل وإزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات"، واضعًا حدًا فاصلًا بين مفهومين للدولة.
قبل سبتمبر، حكمت الإمامة اليمن بنظام كهنوتي سُلالي واحتكرت السلطة داخل الأسرة، فيما ظل اليمن يعاني العزلة والفقر والجهل والتخلف؛ فالتغيير الذي أحدثته الثورة لم يكن مجرد استبدال رأس السلطة؛ ولكن إسقاط الأساس الذي يجعل الحكم امتيازًا لفئة، وفتح الطريق أمام مفهوم مختلف للدولة، يقوم على أن اليمنيين مواطنون في وطنهم، لا رعايا في بلد تحكمه السلالة والطبقية.
شعلة تتوارثها الأجيال
في قرية "الشُعبة" وجبل المحرر بمحافظة تعز، يرفع الكبار والصغار شعلة الثورة، ويجمعون إطارات السيارات القديمة لما يُعرف محليًا بـ"التنصير"، حيث تُشعل النيران مساءً في المرتفعات احتفاءً بذكرى 26 سبتمبر.
ومع حلول الليل، تتوهج قمم الجبال، وتتداخل النيران التي تشعلها القرى المتجاورة مع أصوات الطبول والأهازيج والأناشيد الوطنية، في مشهد يعيد إلى الواجهة طقسًا شعبيًا ارتبط بذكرى الثورة منذ عقود.
وخلال السنوات الأخيرة، اتسعت مظاهر الاحتفاء بسبتمبر، فلم تعد محصورة في بعض القرى والمنازل، بل امتدت إلى الشوارع والأسواق والمدارس والجامعات ووسائل التواصل الاجتماعي.
وتحضر الأعلام اليمنية في هذا المشهد بوصفها أحد أبرز رموز المناسبة؛ ترفرف فوق المنازل وواجهات المحال، ويحملها الأطفال والشبان، فيما تتحول الأسواق مع حلول سبتمبر إلى فضاءات للاحتفاء بالثورة، من خلال الأعلام والأوشحة والملابس والشعارات المرتبطة بها.
سبتمبر في الفضاء الرقمي
لم تعد الجغرافيا قادرة على حصر الاحتفال بذكرى الثورة؛ فقد أضافت وسائل التواصل الاجتماعي مجالًا واسعًا لإحيائها، يجتمع فيه اليمنيون في الداخل والخارج حول العلم والأناشيد الوطنية وصور الثوار وذاكرة سبتمبر.
وتتحول الحسابات الشخصية خلال أيام الذكرى إلى منصات لنشر صور العلم اليمني ومقاطع الأهازيج والأناشيد والتصاميم والقصائد، بما يجعل سبتمبر حاضرًا في فضاء لم يكن موجودًا حين اندلعت الثورة عام 1962.
وهكذا؛ لم تعد ذاكرة سبتمبر مرتبطة بالجيل الذي عاش الثورة وحده، ولكنها انتقلت إلى أجيال وُلدت بعد قيام الجمهورية، وأصبحت رموزها جزءًا من التعبير عن موقف من شكل الدولة ومفهوم المواطنة.
ذاكرة ما قبل الجمهورية
في مناطق يمنية عدة، لا تستند ذاكرة سبتمبر إلى ما تقوله كتب التاريخ وحدها، وإنما إلى حكايات تناقلتها الأسر عن سنوات الحكم الإمامي.
تتحدث روايات محلية متوارثة عن أعباء وجبايات كانت تُفرض على الأهالي، وعن إلزام بعض السكان بتقديم أجزاء من محاصيلهم وممتلكاتهم للسلطات المحلية التابعة للإمام.
ومع مرور السنوات، تحولت هذه الحكايات إلى جزء من الذاكرة الشعبية التي تُفسِّر لدى كثير من اليمنيين معنى الثورة والقطيعة التي أحدثتها مع نظام الإمامة، وما ارتبط به من تفاوت في الحقوق والامتيازات وموقع الفرد من السلطة.
ولذلك؛ لا يحضر سبتمبر في الذاكرة اليمنية باعتباره يومًا سقط فيه نظام سياسي فحسب، ولكن باعتباره اليوم الذي أُعلن فيه أن الحكم ليس امتيازًا موروثًا، وأن اليمني لا يُفترض أن يكون تابعًا لطبقة حاكمة بحكم النسب.
حين يصبح الاحتفال موقفًا
ويكتسب إحياء ذكرى ثورة سبتمبر دلالة أكثر وضوحًا في المناطق المنكوبة بسيطرة الإماميين الجدد (الحوثيين)، حيث واجهت مظاهر الاحتفال- خلال السنوات الماضية- حملات من الاعتقالات والمنع والترهيب.
وفي سبتمبر 2025، وثقت منظمات حقوقية اعتقال عشرات اليمنيين بسبب احتفالهم السلمي بذكرى الثورة أو نشرهم محتوى عنها على وسائل التواصل الاجتماعي. وقالت "هيومن رايتس ووتش" إن الاعتقالات طالت أشخاصًا في عدد من المحافظات الشمالية، بينما وثقت منظمة العفو الدولية أيضًا اعتقال العشرات وتوقيف أشخاص عند الحواجز وتفتيش هواتفهم بحثًا عن محتوى متعلق بذكرى 26 سبتمبر.
ولم تقتصر الاعتقالات على المشاركين في تجمعات أو احتفالات علنية؛ فقد وثقت المنظمات الحقوقية حالات اعتقال بسبب منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، من بينها اعتقال المحامي الحقوقي "عبدالمجيد صبره" في صنعاء في 25 سبتمبر 2025، على خلفية منشوراته المتعلقة بذكرى الثورة اليمنية.
في هذا السياق، يصبح العلم المرفوع على منزل، أو الشعلة المضيئة فوق جبل، أو نشيد سبتمبر الذي يردده طفل، أكثر من مجرد مظهر احتفالي؛ إذ تتحول هذه الرموز إلى تعبير عن التمسك بالجمهورية ورفض إعادة الحكم إلى صيغة تجعل السلطة امتيازًا سلاليًا.
سبتمبر.. فكرة تتجدد
بعد أربعة وستين عامًا من الثورة، لم تعد ذكرى 26 سبتمبر حاضرة في ذاكرة من عاشوا أحداثها فقط؛ فقد أصبحت جزءًا من وعي أجيال ولدت في ظل الجمهورية، وتعيد كل عام إنتاج رموزها بطريقتها الخاصة؛ فالطفل الذي يصعد الجبل لإيقاد الشعلة، والطالب الذي يرفع العلم في مدرسته، والشاب الذي يحتفل في الشارع، واليمني الذي يحيي المناسبة من خارج البلاد عبر حسابه على مواقع التواصل، جميعهم يستحضرون حدثًا لم يشهدوه، لكنهم يرون فيه جزءًا من معنى الدولة التي ينتمون إليها.
ومن هنا تتجاوز معركة سبتمبر حدود المناسبة التاريخية لتتصل بصورة الدولة التي يريدها اليمنيون: دولة تقوم على المواطنة والمساواة، لا على امتياز النسب واحتكار السلطة.
وبين الشعلة التي أوقدها الثوار في 26 سبتمبر 1962، وتلك التي يوقدها أطفال اليوم فوق جبال اليمن، بقي جوهر الفكرة حاضرًا: أن يكون اليمنيون مواطنين في جمهورية، لا رعية في نظام يقوم الحق في حكمه على خرافة الاصطفاء.








